منوعات

دفعت تمن القهوة حكايات ميرا

دفعت ثمن قهوة غريب بعد ما الكارت بتاعه اترفض، وماكانتش تعرف إنه المدير التنفيذي اللي ممكن يغيّر حياتها قال الكاشير بصوت عالٍ بما يكفي لدرجة إن ثلاثة أشخاص واقفين في الطابور لفّوا رؤوسهم ناحيته: “الكارت بتاعك اترفض.” بالنسبة لمعظم الرجال، كان الأمر مجرد موقف محرج بسيط. لكن بالنسبة لـ آدم منصور، كان الأمر شبه مضحك. كان يمتلك ثروة تتجاوز ثلاثمائة مليون دولار. وكان هو صاحب المبنى المكوّن من اثنين وخمسين طابقًا، والذي كان ظاهرًا بوضوح من خلال نافذة المقهى.

ومع ذلك، في تمام الساعة 8:17 صباحًا، في يوم اثنين ممطر بوسط مدينة شيكاغو، لم يكن قادرًا على دفع أربعة دولارات ثمن فنجان قهوة. قال آدم بهدوء: “جرّبه مرة تانية.” منحه الكاشير تلك الابتسامة المتعاطفة التي يحتفظ بها الناس للحظات التي تبدأ فيها حياة شخص ما في التحول إلى موقف محرج أمام الجميع. مرّر الكارت المعدني الأسود مرة أخرى. لكن الشاشة أضاءت باللون الأحمر. مرفوض. حدّق آدم في الشاشة. مستحيل. ثم تذكّر. البنك كان قد جمّد هذا الكارت بعدما أبلغ مساعده عن عمليات شراء مشبوهة في الليلة السابقة.

أما محفظته، التي بداخلها ثلاثة كروت أخرى وعدة مئات من الدولارات، فكانت موجودة على كونسول سيارته الـSUV. والسيارة كانت على بُعد ستة شوارع، مع سائقه. أخرج آدم هاتفه. لكنه كان مغلقًا تمامًا. طبعًا. آدم منصور، الرجل الذي يستطيع الموافقة على صفقة استحواذ بقيمة عشرين مليون دولار قبل الإفطار، أصبح فجأة يتمنى لو أن الأرضية الخرسانية المصقولة انشقت وابتلعته. قال: “خلاص، سيبه.” ثم بدأ يبتعد عن الكاونتر. “استنى.” جاءه صوت من خلفه. اقتربت امرأة ترتدي زيّ حراسة أمني كحلي اللون من الكاشير.

كانت على الأرجح في منتصف الثلاثينيات من عمرها. شعرها البني مربوط في كعكة عملية خلف رأسها. لا ترتدي مجوهرات غالية، ولا تحمل حقيبة من ماركة شهيرة. فقط عينان متعبتان، وحذاء أسود بسيط، وبطاقة موظف مثبتة بالقرب من كتفها. سلمى عبد الرحمن. وقبل أن يتمكن آدم من الاعتراض، أخرجت بعض الأوراق النقدية المجعّدة من جيبها. وقالت: “أنا هدفع.” قطّب آدم حاجبيه. “مش محتاجة تعملي كده.” “أنا عارفة.” “ده مش اللي أقصده.” نظرت إليه. ولأول مرة في ذلك الصباح، نظر إليه شخص دون أن يعرف من هو.

لا حسابات. لا توتر. لا حماس. فقط نظرة إنسانية بسيطة مليئة بالتفهّم. ناولَت سلمى الكاشير خمسة دولارات. قال آدم: “أقدر أرجعهملك.” “أنا متأكدة إنك تقدر.” “في ماكينة ATM هناك…” ابتسمت. “يا فندم، دي قهوة. مش قسط شقة.” حاول الكاشير أن يخفي ضحكته. وللمرة الأولى تقريبًا، كاد آدم يبتسم هو الآخر. كاد. التقطت سلمى حقيبتها القماشية من فوق طاولة قريبة. لكنه أوقفها. “على الأقل اديني رقمك. أو حسابك على فينمو.” “لأ.” رمش بعينيه. “لأ؟” هزّت كتفيها.

“حد ساعدني مرة وأنا كنت محتاجة. إنت ساعد حد تاني في يوم من الأيام.” ثم اتجهت ناحية الباب. ظل آدم واقفًا بجوار الكاونتر، ممسكًا بكوب القهوة الورقي. “استني… سلمى.” التفتت إليه، ويبدو أنها تفاجأت بأنه قرأ اسمها من بطاقة الموظف. “أيوه؟” قال: “شكرًا.” تغيّرت ملامحها قليلًا، وظهرت لمسة من الدفء في عينيها. “العفو.” ثم فُتح الباب. اندفعت موجة من هواء شيكاغو البارد والممطر إلى داخل المقهى. واختفت سلمى وسط زحام الصباح. ظل آدم واقفًا في مكانه لفترة طويلة بعد رحيلها.

ثمن القهوة كان 4.36 دولار. وسيتذكر آدم هذا المبلغ بالضبط طوال حياته. لأن أحدًا لم يفعل معه شيئًا بهذه البساطة منذ سنوات. الناس كانوا يعزمون آدم على العشاء لأنهم يريدون إتمام صفقات معه. كانوا يتبرعون لمؤسساته الخيرية لأنهم يريدون صورًا بجواره. وكانوا يضحكون على نكاته لأنهم يريدون الوصول إليه. حتى النساء اللاتي واعدهن أحيانًا كنّ يبدين اهتمامًا أكبر باسم منصور من اهتمامهن بالرجل الذي يحمل هذا الاسم. لكن سلمى عبد الرحمن أنفقت مالًا بدا واضحًا أنها لا تملك الكثير منه، ورفضت أن تسترده، ثم رحلت دون أن تطلب منه شيئًا.

وبحلول التاسعة صباحًا، كان آدم يقف على ارتفاع خمسين طابقًا فوق المدينة، داخل شركة منصور ميريديان سيستمز، وهي شركة البرمجيات والتكنولوجيا المالية التي أسسها قبل ستة عشر عامًا. كان مدير العمليات التنفيذي، عمر رشدي، يقف أمام مكتبه ويتحدث عن صفقة استحواذ مرتقبة. لكن آدم لم يكن يستمع إلا إلى عشرين بالمائة من كلامه. توقف عمر أخيرًا. وقال: “إنت مش سامع ولا كلمة من اللي بقولها.” رفع آدم عينيه إليه. “سمعتك.” “طيب قلت إيه؟” نظر آدم إلى كوب القهوة الفارغ الموضوع بشكل غريب بجوار التقارير المالية.

تبع عمر نظرته. ثم سأله باستغراب: “مالك؟” قال آدم: “الكارت بتاعي اترفض.” ضحك عمر. لكن آدم لم يضحك. ثم أضاف: “واحدة دفعت تمن القهوة بتاعتي.” اختفت ابتسامة عمر تدريجيًا. وقال: “وعشان كده شكلك كأن حد شرحلك يعني إيه مشاعر؟” #حكايات_ميراا سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️قال آدم وهو ينظر من خلال الواجهة الزجاجية إلى الشوارع المبللة أسفل البرج: “اسمها سلمى.” رفع عمر حاجبه. “إنت حتى عرفت اسمها؟” “كان مكتوب على بطاقة الموظف.”

ابتسم عمر بسخرية. “واضح إن الموضوع أكبر من قهوة.” لم يرد آدم. فتح أحد الملفات أمامه، وحاول التركيز على الأرقام. لكن بعد ثوانٍ قليلة، أغلقه. “عمر.” “نعم؟” “اعرف لي هي مين.” توقف عمر للحظة. ثم قال: “تقصد أبحث عن موظفة أمن في مقهى؟” “آه.” “وليه؟” نظر إليه آدم نظرة جعلت ابتسامة عمر تختفي. “مش عارف.” ثم أضاف بعد لحظة: “بس عايز أعرف.” — في الطرف الآخر من المدينة، كانت سلمى تقف داخل حافلة مزدحمة، تمسك بالعمود بيد، وحقيبتها القماشية باليد الأخرى.

كانت قد نسيت تقريبًا الرجل الذي دفعت له ثمن القهوة. بالنسبة لها، كان مجرد شخص مرّ بلحظة محرجة. ولم تكن تعرف أن ذلك الرجل لم يكن مجرد رجل عادي. ولم تكن تعرف أيضًا أن حياتها كانت على وشك أن تتغير بالكامل. وصلت إلى المبنى الذي تعمل فيه قبل التاسعة بقليل. دخلت غرفة الأمن، ووضعت حقيبتها في الخزانة الصغيرة. كانت هناك صورة لابنتها الصغيرة معلقة داخل باب الخزانة. فتحت الصورة للحظة، وابتسمت. ثم أغلقت الباب. قال لها زميلها:

“إنتِ اتأخرتي النهارده.” “المواصلات كانت زحمة.” “المشرفة كانت بتسأل عليكي.” تنهدت سلمى. “هكلمها.” لم يكن راتبها كبيرًا. لكنها كانت تتحمل.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى