منوعات

الخادمة الحامل. حكايات ميراا

الخادمة الحامل عاملت الراجل العجوز المنسي كأنه ملك… من غير ما تعرف إنه أبو زعيم المافيا كانت نورا بتلمّع الأرضيات وهي شايلة طفل جوا بطنها، وفي نفس الوقت تقريبًا محدش كان واخد باله منها أو من تعبها. وفي الناحية التانية من نفس القصر، كان فيه راجل عجوز قاعد على كرسي متحرك، الكل بيتريق عليه وبيهمله وبيعامله كأنه مبقاش له أي قيمة. لكن اللي محدش من العاملين في القصر كان يعرفه، إن الراجل المنسي ده لسه بيحرك خيوط إمبراطورية المافيا الأخطر في المدينة… من غير ما حد يشوف إيده.

ضربت رياح الشتاء العنيفة شبابيك قصر المنشاوي الزجاجية العملاقة، القصر اللي كان مساحته أكتر من عشرين ألف قدم مربع، ومبني وسط منحدرات معزولة في شمال ولاية نيويورك. من جوه، كان القصر بيصرخ بالثراء. أرضيات رخام مستوردة من إيطاليا ممتدة في كل الممرات، وثريات كريستال ضخمة بتعكس الضوء على الأسقف والجدران، وجيش من الموظفين بيتحرك في هدوء ودقة. ومن بينهم كانت نورا. كانت عندها 23 سنة، وفي الشهر السادس من حملها، واتعلمت إزاي تخلي وجودها شبه غير مرئي.

الزي الرسمي بتاعها كان أكبر من مقاسها عشان يستوعب بطنها اللي بتكبر يوم بعد يوم، وكان نازل بشكل واسع على جسمها النحيف. إيديها اللي كانت في يوم من الأيام ناعمة، بقت مليانة تشققات وجروح من المنظفات القوية، والمياه المغلية، وساعات طويلة من فرك الأرضيات الحجرية. كانت قبلت تشتغل خدامة بأقل مرتب في القصر لأنها ببساطة ماكانش قدامها اختيار تاني. برودي، أبو طفلها، اختفى في نص الليل، وساب وراه ديون قمار ضخمة، وصاحب شقة بيهددها بالطرد لو ما دفعتش الإيجار.
وبالنسبة لـ مدام جابر، كبيرة الخدم، كانت حالة نورا البائسة فرصة مثالية لاستغلالها.

كانت مدام جابر ست حادة الملامح، مسيطرة على كل العاملين في القصر بقبضة من حديد. ماكانتش بتطيق الضعف، وكانت شايفة إن حمل نورا مجرد عبء… وعبء ممكن تستغله لأنها عارفة إن نورا معندهاش مكان تاني تروحه. صرخت فيها مدام جابر في الممر الكبير: “إنتِ هتفضلي واقفة بتحلمي كتير؟” وبعدين أشارت ناحية جناح سيد القصر. “أوضة البيه الكبير محتاجة تتنضف. ولما تخلصي، خدي بواقي الأكل للجناح الشرقي. وكلي العجوز بسرعة وخلصينا.” العجوز. من أول يوم وصلت فيه نورا للقصر، الخادمات التانيين حذروها من الأوضة رقم 4B في الجناح الشرقي المعزول.

كانوا بيسموا صاحبها العم جابر، وقالوا لها إنه قريب عجوز لصاحب القصر، وإنه مشلول تمامًا بعد كذا جلطة قوية، وكمان بيعاني من خرف شديد. قالوا لها إنه بقاله أكتر من خمس سنين ما نطقش بكلمة واحدة. وبسبب إن صاحب القصر نادرًا ما كان بييجي، العاملين بدأوا بالتدريج يعاملوه باحتقار واضح. مدام جابر كانت دايمًا بتكلف أحدث وأضعف الخادمات برعايته، لأنها كانت متأكدة إنهم هيخافوا يعترضوا. في أول مرة فتحت نورا باب الأوضة 4B، وقفت مكانها.

الأوضة كانت ساقعة بشكل مخيف. المدفأة مطفية، والستاير الثقيلة كانت مقفولة بإحكام، مخليّة المكان عايش في شبه ظلام دائم. وفي ركن الأوضة، كان فيه راجل عجوز قاعد على كرسي متحرك، ووشه ناحية حائط فاضي. كان ضعيف بشكل يوجع القلب. شعره الفضي كان منكوش، ولابس بلوفر قديم وخفيف مش بيحميه من البرد.
وعلى الترابيزة الصغيرة جنبه كان فيه الغدا، واضح إنه اتساب من ساعات. طبق شوفان بارد ومتجمد، وكوباية مية فاترة. نورا ما شافتش عبء. شافت إنسان بقى معتمد بالكامل على ناس بطلت تهتم بيه.

قالت له بصوت هادي: “مساء الخير يا حاج.” دخلت الأوضة، وفتحت الستاير الثقيلة، فدخل ضوء الشتاء الباهت. العجوز ما تحركش بشكل واضح، لكن نورا لاحظت حركة بسيطة جدًا في صوابعه اللي كانت مستقرة على ذراعي الكرسي. قالت: “الدنيا ساقعة هنا أوي.” راحت ناحية المدفأة، وبعد دقائق قليلة قدرت تشعلها. وبعدين قربت من الكرسي، وفكت الفرامل، ولفته بحذر ناحية الشباك عشان يقدر يشوف أشجار الصنوبر المغطاة بالثلج. لما رفعت طبق الشوفان، عبست. “إنت مينفعش تاكل ده… ده مش أكل أصلًا.”

نزلت نورا للمطبخ، وهي عارفة إنها ممكن تتعرض لغضب مدام جابر، لكنها رجعت بطبق شوربة خضار سخنة وقطعة عيش بالثوم متحمصة لسه طالعة من الفرن. حطت كرسي جنب الراجل العجوز، وقعدت تطعمه بالراحة، وكانت بتتأكد من كل معلقة قبل ما تدخلها بوقه إنها مش سخنة زيادة. ومع مرور الشهور، بقت رعايته جزء من روتين نورا السري. في الوقت اللي باقي العاملين كانوا بيتريقوا على العم جابر، ويسيبوه بملابس متسخة، ويتعاملوا معاه كأنه حمل تقيل… نورا كانت بتعامله بكرامة.

من فلوس البقشيش القليلة اللي كانت بتاخدها، اشترت له بطانية تقيلة تدفيه. وكانت بتسرق له فاكهة طازة وقطع لحمة مشوية من المطبخ. وكانت بتغسله بمية دافية وصابون برائحة اللافندر، وتسرح شعره الفضي بعناية. لكن أهم حاجة كانت بتعملها…
إنها كانت بتتكلم معاه. كانت تحكيله عن خيانة برودي، وعن الديون اللي لسه بتطاردها، وعن الحب اللي بدأ يكبر جواها ناحية طفلتها اللي بتتحرك في بطنها. في ليلة، قالت له وهي قاعدة جنبه: “أنا هسميها ليلى.” حطت إيديها على بطنها المنتفخة.

“اسمها معناه الليل… بس أنا عايزاها تكون بداية جديدة ليا. عايزاها تعيش حياة حلوة يا عم جابر.” سكتت لحظة، وبعدين ابتسمت بحزن. “حتى لو فضلت أمسح الأرض لحد ما صوابعي تنزف… بنتي عمرها ما هتعرف يعني إيه برد أو حرمان.” رفعت نورا عينيها له. ملامحه كانت لسه ثابتة تقريبًا. لكن مع انعكاس ضوء النار، شافت دمعة بتنزل ببطء على خده المتجعد. مدت إيدها ومسحتها بإبهامها. “متزعلش.” وضغطت على إيده الضعيفة بحنان. “إحنا الاتنين مكسورين شوية… بس أنا ههتم بيك.”

لكن نورا ماكانتش تعرف الحقيقة. ولا مدام جابر ولا باقي العاملين كانوا فاكرينها. الحقيقة إن الراجل اللي كانوا بيسموه “العجوز” ماكانش مجرد قريب مسن لصاحب القصر. اسمه الحقيقي كان… الحاج محمود المنشاوي. قبل 15 سنة، كان محمود المنشاوي واحد من أخطر وأقوى رجال المافيا على الساحل الشرقي. كان هو زعيم إمبراطورية إجرامية ضخمة. نفوذه وصل لرجال أعمال وسياسيين كبار، وقراراته كانت قادرة تدمر عائلات كاملة. جلطة عنيفة حبسته جوه جسمه، لكن عقله فضل صاحي ومدرك لكل حاجة.

لمدة خمس سنين، كان عاجز عن الكلام أو الحركة بشكل طبيعي، لكنه كان بيراقب كل شخص في القصر. كان فاكر كل إهانة. كل وجبة باردة. كل ضحكة سخرية.
وكل مرة مدام جابر أو واحدة من الخادمات عاملته فيها بقسوة. وكان فاكر نورا كويس جدًا. فاكر البطانية اللي اشترتها له من فلوسها. وفاكر الأكل السخن اللي كانت بتجيبه له. وفاكر إيديها وهي بتعتني بيه. وفاكر دموعها وهي بتحكيله عن بنتها اللي لسه ما اتولدتش. جوه الجسم اللي الكل اعتبره عديم الفائدة…

كان عقل محمود المنشاوي لسه شغال. وكان فاكر كل حاجة. ومع دخول الشتاء في أقسى مراحله، بدأ التوتر ينتشر في قصر المنشاوي. أول الهمسات بدأت في المطبخ، وبعدها انتقلت بين ممرات الخدم. صاحب القصر راجع. كان أحمد المنشاوي بالنسبة للعاملين في القصر شخصية شبه أسطورية. عنده 32 سنة، واستلم إدارة إمبراطورية المنشاوي بعد الجلطة الخطيرة اللي أصابت والده. كان معروف بالقسوة والبرود… وبإنه ممكن يكون عنيف جدًا لو حد قرب من عيلته. نادرًا ما كان بيزور قصر العيلة في شمال نيويورك، لأنه كان بيفضل يعيش ويدير شغله من بنتهاوس فاخر في مانهاتن.

لكن مع اقتراب عاصفة ثلجية ضخمة، قرر يرجع للقصر ويقضي فترة العاصفة هناك. وأول ما مدام جابر عرفت إنه جاي، اتصرفت كأن نهاية العالم قربت. صرخت في العاملين داخل البهو الكبير: “كل حاجة لازم تلمع! لو الأستاذ أحمد شاف تراب واحد، أنا بنفسي هطرد المسؤول عنه في عز التلج!” وبعدين عينيها وقعت على نورا، اللي كانت بتحاول تطلع سلم القصر وهي شايلة جردل نحاس تقيل مليان مية للمسح. كانت نورا في الشهر السادس، والمجهود بقى أصعب عليها بشكل واضح.

ظهرها كان بيوجعها بشدة، والإرهاق بدأ يأثر على توازنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى