
طول الليل مكنتش عارفة أنام، عيني مش متغمضة، أجهز البيت، أنضف أوضة ياسين، أفرش ملايات جديدة، وأشم ريحة كل هدوم من هدومه وأنا بضمها لصدري. كانت الساعة بتمر عليا كأنها سنة كاملة. الصبح بدري، أخدت بعضي ونزلت للمطار، مكنتش قادرة أستنى لحظة واحدة في البيت. في صالة الوصول، كنت واقفة وسط الزحمة، عيني معلقة على الباب اللي بيخرج منه المسافرين. قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة، لحد ما شفت حسام طالع، ومسك في إيده.. ياسين!
أول ما ياسين شافني، ساب إيد أبوه وجري عليا.. جري خفيف وسريع وثابت! مسكت فيه وضميته لصدري وأنا بصرخ من الفرحة، وببوّس كل شبر في وشه. ياسين مسح دموعي بإيديه الاثنين وقال بصوت واضح ونقي جداً: — بلاش تعيطي يا ماما، أنا بقيت قوي خلاص، ومفيش حاجة توجعني تاني. حسام حضننا إحنا الاثنين وهو بيبكي ويقول: — ربنا كبير يا هدى، ربنا جبر بخاطرنا وما كسرتناش أبداً. الدكتور هانز عمل معجزة، Process طويلة وتدريب شاق، بس ياسين كان بطل وكان عاوز يرجعلك وهو سليماً معافى.
رجعنا العمارة، وأنا حاسة إن الأرض مش شايلاني من الفرحة. أول ما دخلنا المدخل، لقينا العمارة كلها طالعة تستقبلنا، الجيران والأقارب اللي عرفوا بالخبر نازلين يباركوا ويسلموا على ياسين. الناس كانت مبهورة وشايفة الولد اللي كانوا بيقولوا عليه «مفيش منه أمل» واقف بثبات، بيتكلم بلباقة، وبيسلم على الكبير والصغير بأدب وذكاء شديد. في اللحظة دي، فتحت نادية باب ا ببطء، وطلت برأسها وهي باصة لياسين بذهول وغل مكتوم. حسام بصلها بثبات، وياسين أخد باله منها، وبص لها بابتسامة بريئة وقال بصوت عالي أمام الجيران كلهم:
— أزيك يا طنط نادية؟ البنات عاملين إيه؟ أنا رجعت خفيت خالص الحمد لله، والدكتور في ألمانيا قال إن الذكاء عندي ممتاز وجسمي بقى قوي جداً! نادية أتنحست وما عرفتش تنطق بكلمة واحدة، وشها جاب ألوان، والكل كان بيبص لها وهو عارف الكلام والمعايرة اللي كانت بتقولها عليا وعلى ابني. ردت بصوت مخنوق ومتردد: — حمـ… الحمد لله على سلامتك يا ياسين.. عقبال ما نشوفك عريس. وقفلت الباب بسرعة واستخبت جوة شقتها.
مرت الأيام، وياسين بقى نوارة البيت والعمارة كلها. الدكتور هانز مكنش بس عالجه، ده كتب له على برنامج تعليمي ورياضي متطور جداً عشان ينمي مهاراته العقلية والبدنية. حسام قدم له في مدرّسة خاصة متميزة، وفي خلال شهور قليلة، ياسين أثبت تفوق غير عادي في الرياضيات واللغات، وكأن السنين اللي فاتت اللي كان محبوس فيها جوة مرضه كانت ب داطة وذكاء. في المقابل، كانت ة نادية بيمر عليها أيام سودة. الغيرة والحسد أكلوا قلبها. نادية كانت دايماً بتتباهى إن عندها ثلاث بنات «زي العسل» وإنهم كاملين مفيش فيهم عيب، وكانت دايماً تبص لي بعين النقص. بس دوام الحال من المحال.
في يوم من الأيام، سمعنا صريخ وعياط طالع من نادية فوق. الصوت كان عالي ومفزوع، وحسام جرى ينط السلم عشان يشوف فيه إيه، وأنا حصلته. الباب كان مفتوح والنادي قاعدة في الصالة بتلطم على وشها وجوزها «سعيد» مسك الورق اللي في إيده وبيرميه في الأرض وهو بيزعق بقلة حيلة.
اتاري نادية كانت بتمشي بناتها في الدروس والمداارس وتضغط عليهم بشكل رهيب عشان يطلعوا الأوائل ويغيظوني، بس البنت الكبيرة «شهيرة» اللي في ثانوية عامة، انهارت نفسياً وجسدياً من كثرة الضغط والمعاملة القاسية اللي كانت أمها بتعاملها بيها. الشهادة طلعت، والبنت جابت مجموع ضعيف جداً وما لحقتش أي كلية من اللي أمها كانت بتتباهى بيها قدام الناس. ومش بس كده، البنت الصغرى «جنى» جالت لها حالة تلعثم ونطق متقطع مفاجئ بسبب الخوف والرعب الدائم من أمها وعصبيتها، وبقت مش عارفة تتكلم جملة على بعضها!
نادية كانت بتصرخ وتقول:
— فضيحة! الناس هيقولوا إيه؟ بناتي اللي كنت بتباهى بيهم قدام الكل، وحدة والتانية مش عارفة تتكلم؟ دي عين! أكيد دي عين وصابتنا!
سعيد جوزها بصلها بغضب شديد وقالها بصوت هز — عين إيه وزفت إيه يا نادية! ده ذنب الغل والافتراء اللي كان في قلبك! نسيتي لما كنتِ بتعايري أخويا ومراته بابنهم المرضان؟ نسيتي لما كنتِ بتقولي عليه «أهبل وأعفين» وتمنعي بناتك يقربوا منه؟ ربنا حرمك من السترة عشان تعرفي إن العافية والصحة مش بشطارتك، دي نعم من ربنا وتواضع! انتِ اللي دمرتي البنات بأسلوبك وغلّك!
نادية قعدت في الأرض تبكي ب، ولما رفعت عينها شافتني واقفة على باب اة ومقربة منها. افتكرت لما دخلت شقتي وزقت كوباية الشاي بظهر إيدها وقالتلي «ابنك الهبل شارب منها وأنا بقرف منه». افتكرت كل سهم مسموم غرزته في قلبي وأنا ساكتة وبدعي ربنا في سري. قربت منها، مكنش في قلبي شماتة، بس كان فيه شعور قوي بالعدل الإلهي. نادية بصتلي ة ونكست رأسها في الأرض، ولأول مرة مكنتش قادرة ترفع عينها في عيني. قلت لها بهدوء وثبات:
— ربنا ما بيظلمش حد يا نادية.. ياسين اللي كنتِ بتقولي عليه معاق وأهبل، بقى الأول على مدرسته وربنا شفاه وعافاه بدون ما ندفع مليم، والبنات دول لحمك ودمك، بدل ما تضغطيهم وتعايري بيهم الناس، ادعي لهم وربنا يشفيهم ويصلح حالهم. بس افتكري دايماً.. الأيام تدور، واللسان لما بيجرح بيترد لصاحبه في أغلى ما يملك. نادية غطت وشها بإيديها وبكت بصوت واطي وهي بتقول: — سامحيني يا هدى.. سامحيني يا أختي، أنا كنت غبية وعيني كانت عميانة بالغل.. ادعي لبناتي ربنا يشفيهم.
في اللحظة دي، دخل ياسين اة ومسك إيد بنت عمته الصغيرة «جنى» اللي كانت بتعيط ومكسوفة تتكلم. ياسين بصلها بابتسامة حنونة وقعد جنبها وقالها بالراحة: — متخافيش يا جنى، أنا هساعدك وهتكلم معاكي كل يوم لحد ما تبقي شاطرة وبتتكلمي حلو أوي، أنا كنت زيِك زمان وربنا بيعديها. سعيد مسك رأس ياسين وباسها وهو بيدمع، ونادية بصت للولد اللي كانت بتقرف منه وهو بيمد إيده بالخير لبنتها، وكانت الصدمة والكسرة في قلبها أضعاف أضعاف.
الرحلة لسه مخلصتش، وياسين بقى هو سند العيلة كلها، وبقى المثال اللي الكل بيه المثل في الإصرار والنجاح.. لكن الأيام كانت لسه شايلة مفاجأة كبيرة، ومستقبل جديد بيفتح أبوابه لياسين ولينا كلنا..